تأملات في الذاكرة والسفر

في بلاد العرب السعيدة

في بلاد العرب السعيدة

من غسانية إلى أروى اليمانية
تنبهت من نوم لا أدري كم استغرقني… حتى بت أظن أني نمت قرون طويلة، وجدتني في بيت صنعاني الصنعة..ومن بعيد ينساب صوت يردد.. يانسيم الصباح سلم على باهي الخد.. نبهه من منامه
في مقيل يماني… شبابيكي مشرعة على بيوت آزال… المدينة ما زالت خاشعة والبنايات بدت مثل جداريات أبدعتها ريشة رسام عاشق،شبابيك البيوت مفتوحة على دهشة محدقة لمن مروا من هنا علي أن أهبط خمس وخمسون درجة لأحتسي قهوة الصباح في المقشم الحديقة، درجة سميكة وأخرى رقيقة..، كما هي الحياة في بستان البيت الصنعاني.. بيت علي الهيصمي الذي تحول إلى نزل حميم.. يأتيني رطن غريب اللسان.. يضع النادل أمامي قائمة الطعام بأسماء غير يمانية
أسأله: ألا تصنعون الأكل اليماني؟
يجيبني بالنفي.. بعد الانتهاء من تناول الطعام أكتشف أنه أعد بنكهة يمانية فريدة في المذاق والصنعة، مذاق الأطعمة هنا ليس لها شبيه… من حنيد وعقدة ورز مكلل بالزبيب الأخضر ومخبازة وحلوى بنت الصحن، تتسلل باقة ضوء ملون من قمريات بأعلى الجدار.. صمتك يأتيني قاسيا.. كأنه قد من صخرة شاهقة في جبل  رمل لم ، تلامسها الرمال الوردية بعد، هل يتوجب علينا نحن المهجرين من يمن.. أن نؤوب إليها.. لتشف أرواحنا من عبق تمتلئ به الأمكنة؟

في باب السباح من صنعاء القديمة… في علية تطل على السيالة، هل سبق وشهدت سيل عمان حين كان يحد في الشتاء… قبل أن يصبح اسمه سقف السيل…؟ بالأمس تمنيت المطر… طمأنني العامري علي.. أنها ستمطر غدا.. هكذا تكهن.. فأمطرت والسيالة حدت.. الشارع صار نهرا جاريا..أسمع صدى لميسون البجدلية تردد وبيت ينبح الطراق دوني… أحب إلي من لبس الشفوف…لو أن معاوية أتى بك ياميسون إلى صنعا لما لامستك الغربة…هنا البيوت شيدت ليسكنها الأطفال والأجداد… هنا البيوت زخرفت بعروق الريحان وزهرات الفل والكادي…. فبقيت محتفظة بزهو بلقيس..المحويت… بلاد يرقص في سماءها الغيم… سفوح اصطفت الحواكير بها مستلهمة انحناءات السفوح… بيوت معلقة على قمم الجبال تحوم حولها السحب، أصعد الدرج الحجري.. أبحث عن المفتاح… أفتح باب عليتي… ينتشر عبق من بخور آزال ليعطر أنحاء المكان…ويتسلل غناء شجن… ألا ياليت لي في الأمر صنعة… وأسلا من سلى عودي وبراني.. …بلاد العرب السعيدة أو بلاد اليمن السعيد.. إسم ما زال مطبوعا في الذاكرة.. مرسومة حروفه الممتدة في الجنوب الغربي من خارطة الجزيرة العربية.. ..الأطلس الجغرافي وحكايات الكتب كانتا من أمتع الألعاب المحببة لدينا نحن الصغار.. نطوف من خلالهما العالم.. نعبث بشواطئه.. ونتسلق جباله.. ونجول أسواق المدن.. نرافق الشخصيات التاريخية والأسطورية ونتمثلها..قرأت سيف ذي يزن، وأذهلتني ملكة سبأ بلقيس والهدهد..كأن خيالات البلاد السعيدة الأكثر إثارة، بقيت تراودني عن نفسها وتبعث في ذهني شتى الأسئلة، ربما بسبب كلمة السعيدة.. فالسعادة حلم الصغار مثلما هي للكبار..وتختم عادة بـ وعاش الجميع في سعادة وهناء

وحكايات اليمن مزيج من التاريخ بالأسطورة..وكغيري من أبناء جيل نشأ قبل اختراع التلفاز والأقمار الصناعية والشبكة العنكبوتية..كانت الكلمة المكتوبة المصدر الوحيد للمعرفة والاكتشاف والمتعة..وحين قرأت قصة (أليس.. في بلاد العجائب)..تخيلتني (أليس) ولكن في البلاد السعيدة.. ما أنساني كل ما وقع لأليس في بلاد العجائب!كما تصادف أن وقع بيدي عدد من مجلة العربي التي تفرد صفحات خاصة عن البلدان العربية.. أعتقد أن ذلك كان في بداية الستينيات.. استطلاع مصور، ربما كان أول استطلاع عن اليمن وبالصور الملونة..أذهلتني العمائر المطرزة بالزخارف والنقوش.. وسحرتني بيوت شاهقة اعتلت سنم الجبال..من ذلك اليوم دخلت في حلم زيارة بلاد اليمن.. قد يراني البعض قد تطرفت في رومانسيتي..وقد لا يصدق البعض الآخر بأنني تنازلت برضا عن رحلة شبه مجانية إلى أرض الأحلام أمريكا حين أتيحت لي زيارة اليمن..ربما لأن التاريخ بات هاجسي، خاصة ونحن كما يروى لنا أبناء أرض بني غسان ننتمي لهذه الأرض..ورغم شح المعلومات دأبت على البحث في الكتب والمجلات عن ما يشبع فضولي..وكانت زيارة بلاد اليمن مجرد حلم لمن ازدحمت حياته بالعمل ومسؤوليات الأسرة والأطفال..ولأن اهتمامي الخاص وعملي في التعليم والمكتبات..ومن ثم في الصحافة الثقافية وإعداد الأفلام الوثائقية..ولأني مسكونة بالمكان..كبر عندي هاجس زيارة اليمن.. رغم كل ما يشاع ويقال عن اليمن كبلد بعيد عن التحضر والمعاصرة..ومع توفر الفضائيات والإنترنت بات بمقدوري أن أرتحل بين بيوتات اليمن.. جباله وسهوله..إلا أن هذا الارتحال غير مكتمل.. فالمكان وكل مكان يتمتع بعبق خاص..إلى أن جاءتني ذات مساء صديقتي الشاعرة والصحفية سميرة عوض.. مبتسمة تخبرني أنها مدعوة لليمن للمشاركة في ملتقى للشعراء الشباب العرب..: أدري توقك لزيارة اليمن، لذا أنا خجلة، أن أذهب ولا تذهبين..!سرحت قليلا.. اتصلت بأولادي وبمكتب الطيران..ولم أجد نفسي إلا وأنا في صنعاء!!حين ذهبنا في جولة لزيارة صنعاء القديمة..بدت لي صنعاء خلف ” باب يمن ” مثل كتاب مصور لألف ليلة وليلة.. وبدأ مرافقنا – من الاخوة الشعراء اليمنيين – يشرح لنا ونحن جلوس في الحافلة عن صنعاء القديمة..لم أتمالك وأنا أعرف أن وقت القراءات المسائية قد اقترب، من أن أهتف به: وهل تعتقد أنني سأكتفي بمشاهدة صنعاء من وراء زجاج النوافذ.. كمن يتصفح صورا أو يشاهد التلفاز..أريد أن أمشي في الطرقات التي عرفتها مصورة.. وألامس النقوش وزخارف الجدران وأشم رائحة المكان….شعت ابتسامة حميمة على وجه الشاعر عبد الرحمن غيلان.. وأوقف الحافلة على الفور..اندفعت وباقي الضيوف الشعراء رغم انهمار المطر الغزير.. نتقافز مبتهجين ونغوص في سيل المياه يملأنا فرح طفولي.. أضعتني عن قصد..في سوق الملح (الملح هنا جمع مليحة) سمعت طفلا صنعانيا يهتف باسمي لألتحق بالمجموعة..ضممته مبتهجة لم أصدق أن هناك من يناديني في أسواق صنعاء !!!كنت كمن يزور بيت جدته.. يفتح الدواليب والصناديق ليكتشف مكنونات الجدة المخبأة..
اليوم غادر الشعراء الضيوف العرب صنعاء ..أما أنا فقد آثرت البقاء لأيام أخر.. ولأقيم بضعة أيام في بيوتات صنعاء العتيقة.. أجتاز من خلالها الزمن وأقرأ التاريخ.. أتجول كمغترب آب إلى بيته بعد غياب طويل يبحث في زوايا الأدراج المنسية وفي الممرات عن آثار من عمر المكان قبل آلاف السنين..لا أريدني أن أطوف المكان كسائحة.. فهذا المكان يخصني أيضا.. وسأري حفيدي قيس وعلي صور سوق الملح وسوق باب السباح والأطباق اليمانية ومعوز حضرموت..سأحدثهم عن أروى عثمان الباحثة في الحكايات الشعبية وصناديق الجدات وعن كل ما حواه الموروث الشعبي من فنون.. عن أحمد السلامي وسوسن العريقي..وعن قمر لم يكتمل بعد.. كما سألقي على كل منهما بردا يمانيا يفوح بالفل والكاذي التهامي..إذا كانت الفنون – وكما يتردد دائما – المعيار الحقيقي للمستوى الحضاري للبلد.. فإن اليمن تستحق أن يطلق عليها بلداً متحضراً.. ففيها تكتمل شروط الحضارة.. الفن التشكيلي.. إنه هنا في البيوت والنوافذ والجدران والأبواب.. الرقص التعبيري والموسيقي.. الشعر والأدب.. فكل أبناء اليمن شعراء.. الطعام.. مذاقات تكونت بمزاج فنان.. كل صباح جديد تتزايد الدهشة من كل ما حوت بلاد اليمن السعيد من فنون..أليست اليمن شاهدا لنا نحن العرب بحضارتها المدينية التي سبقت كل الحضارات.. إنها هويتنا الحضارية في عالم تشوه بفعل التقليد..لم تفسد زيارتي لليمن الصورة البهية التي رسمها الخيال..
وليس هباء أن يذهب قول الإمام الشافعي مثلا
لابد من صنعاء وإن طال السفر

تجوال ذاكرة

تجوال ذاكرة

البائع في المكتبة يراكم أمامها كتب لكاتبات عربيات من الجزيرة العربية ومن مشرق ومغرب البلاد العربية..يسهب في وصف كتابات النساء العربيات وشجاعتهن في تعرية ذواتهن..في السبعينيات انتشرت ظاهرة الميني والميكروجيب بشكل سافر في بلادنا واجتاحت المدن الصغيرة.. لم ترق لها هذه الموضة وهي معلمة وأم شابة كي لا ينشغلمحدثها في التسلل إلى خصوصية تنأى بها عن الشارع.أحبت من الملابس ما يمنحها الجمال من غير تطرف أو تزمت…

في معرض للصور عن الأدوار التي تقوم بها المرأة، أقامته واحدة من النساء المهتمات بالدعوة للتحرر والمساواة، شمل المعرض صورا لنساء قرويات يقمن بإعداد الخبز على نار الحطب وأخريات يعملن في الحقول والحصاد.. أصغت لهمس النساء المسنات اللواتي جيئ بهن خصيصا لمناقشة قضية اضطهاد وعبودية المرأة..كن يتنهدن ويرددن: سقالله أيام كنا نأكل الخبز الطازج من قمح الأرض الذي نزرعه ونحصده بإيدينا..اليوم الذي يذهب لا يعود أبداوتابعت البحث في جديد غابرييل جارسيا وإيزابيل الليندي.. التقطت مجموعة بيرم التونسي.. ووقعت عيناها على مجموعة قصصية قصيرة لميلان كونديرا.. أضافتها لمجموعتها المختارة.. إنها المرة الثالثة التي تقتني فيها رواية كونديرا هذه

نحّت الروايات النسائية جانبا.. روايات بات الغرب مغرم بترجمتها وتوزيعها على نطاق واسع.. من أجل التأكيد على تخلف مجتمعاتنا ولتبرير الوصاية الغربيةالأمريكية.. هل التقينا من قبل.. أشعر أني التقيتك.. وسمعت هذا الصوت من قبل،التفتت .. لم يكن هناك غيرها وغير الشاب الذي صعد معها إلى قسم الروايات والأدب في مكتبة مدبولي في شارع طلعت حرب..غاصت بين عناوين الروايات وكتب الشعر..لم تلحظ الرجل المسن الذي يقف إلى جوارها : هل نعرف بعض من قبل؟
هزت رأسها بالنفي ورددت بصوت يبحث في الذاكرة: عفوا.. لا أذكر أني التقيتك.. أو ربما نكون التقينا في أحد الأماكن العامة.. أحيانا يحدث هذا.. ما يجعلنا نعتقد بأننا نعرف من نلتقيهم…. عرفته بنفسها..عرف بنفسه، لم تسمع باسمه من قبل، تابعت مبتسمة: أجمل ما في التقدم بالعمر.. أننا نتحرر من الخوف الذي يجعلنا نخفي أسماءنا وكنية عائلتنا وأين نقيم.. وخاصة بالنسبة للفتيات.. لأننا ونحن في مرحلة الصبا نخشى الإيقاع بنا من وله الشباب المتهور..بيد احتضنت مجموعة الكتب التي اختارتها.. ومدت يمناها تستأذن وتصافح الرجل بدا لها وكأنه يبحث عنها. تركت مكتبة مدبولي ووقفت على الرصيف.. تلفتت تبحث عن مقهى تتصفح فيه الكتب التي اختارتها..
اكتشفت أنها تقف مقابل مقهى جروبي، هذا المكان الذي شهد غراميات شخوص إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي في روايات شغلت حياتنا في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي
اختارت طاولة صغيرة بعد أن طلبت القهوة مع بضع حبات من الشوكلاتة سارعت إلى تصفح كتاب كونديرا.. بحثا عن فكرة معينة، قرأت: تكمن قيمة الإنسان البشري.. حين يتجاوز الإنسان نفسه ،ليس أجمل من أن تكون في الغير.. أن تعيش في ذاكرة أخرى..أن تكون خارج نفسك…بأنفاسها أزاحت الرغوة الكثيفة من على وجه القهوة….تجهد في استحضار وجه الرجل الذي التقته في مكتبة مدبولي.. وجه رجل تجاوز الستين..فكرت أن تعيد للوجه نضارة الفتيان.. فتى في السادسة عشر من عمره..ينتظر أمام حافلة.. تتقدم للصعود فيبتعد قليلا مفسحا لها الطريق..ترتسم طيف ابتسامة على وجهها وتتخذ لها مكانا مجاور لفتاة تكبرها.. يبدأ معاون السائق بجمع القطع النقدية.. يتجاوزها..تنده عليه بصوت خجول:لو سمحت؟تأتيها الإجابة: مدفوع تسأل بحذر: من دفع؟
يشير إلى الفتى الجالس خلفها..ترتبك.. لا تعرف الفتى..لمحته منذ يومين فقط يقف عند موقف الحافلات..تعتذر : لو سمحت تفضل.. لا أريد لأحد أن يدفع..صوت ارتطام على أرضية الحافلة….وقطعة نقدية ملقاة تحت قدميها..هبطت الحافلة وتوجهت إلى البيت…انشغلت مع شقيقاتها في الدراسة واللهو ونسيت أمر الفتى.صباح اليوم التالي..صعدت الحافلة واتخذت مقعدا خلفها صعد الفتى.. وبلمح البصر ألقى بحجرها مغلف انتفخ بالأوراق..يبدو أن الفتى لم يغمض عينيه ليلة أمس..ولكن ماذا ستفعل بهذه الرزمة من الأوراق والتي لا تعرف ما كتب بها!..لا يمكنها إخفاءها عن أعين البنات في المدرسة.. وهي لا تعرف الفتى ستكون عرضة لأقاويل لمجرد أنها نالت إعجاب فتى لم تعرفه ولم تعده بشيء…. ..غادرت الحافلة والمغلف الخطير ..رغم أنها بدأت بتقطيع المغلف إلى أوصال.. تمنت لو تعرف ما حوته الأوراق..بدأت تذر النتف الورقية في الطريق إلى أن وجدت نفسها تقف أمام بوابة المدرسة..زعقت سيارة وهي تهم باجتياز البوابة..التفتت .. نقدت النادل في مقهى جروبي أشارت لسيارة أجرة لمحت الفتى المسن يقف على الرصيف المقابل خارجا من مكتبة مدبولي متأبطا مجموعة من الكتب
8 – 3 – 2007
القاهرة