حكايات قديمة 2

حكايات جدي

تعثرت الدابة وأسقطت الطحنة (كيس الطحين)..حدث ذلك في طريق العودة من مطحنة اعتادت النسوة في القرى المجاورة، طحن القمح وجرش الحبوب بها، قليلا ما كان الأب يلقي على بناته بالتعليمات الواجب الالتزام بها حيال الحياة وكثيرا ما كان يروي لهن حكايات عن الجدات والعمات ..كانت لديه قدرة فائقة على تصوير المشاهد التي عاشها أو سمع عنها..تمسك الصغيرات الأنفاس، تتابع باستمتاع السرد الأنيق ويحاذرن مقاطعته.. كي لا تفلت منهن اللحظة ..”عمتي أميرة.. شيخة حقيقية… ذات هيبة ووقار وحضور فطن وجميل..”تكتمل الصورة لامرأة ممشوقة في ثوب أسود وحطة رأس مشغولة مع خيوط القصب..تتصدر البيت الكبير.. وتشارك أفراد عائلتها من الرجال في التخطيط للموسم الزراعي القادم بحكمة ودراية. افترشت الأرض، وامتدت يدها إلى حقيبة مصنوعة من بقايا ثوب أسود.. تناولت علبة “التتن” فركت التبغ بأطراف أصابعها، لإعداد لفافة، عسى أن يمر من يعينها على إرجاع كيس الطحين على ظهر الدابة، أشعلت اللفافة وسحبت نفسا ًعميقا، تبغ بطعم بنزين فتيل الولاعة الحديدية

في أول يوم عمل لها في مدرسة القرية.. بعد تقديم أوراق النقل لمديرة المدرسة، لم يكن التدخين محظورا بعد في مدارس وزارة التربية والتعليم، تناولت علبة السجائر وأشعلت لفافة.. ابتسمت إحدى المعلمات القادمة من منطقة أخرى وعلقت بقولها: ها أنت تؤكدين العبارة التي كان يرددها الكبار قديما.. حين تلفت انتباههم سيدة جميلة ذات حضور” مزيونة .. بس لو بيدها سيجارة

بدأت الشمس تميل للمغيب، دون أن يلوح لها أحد يساعدها في رفع “الطحنة”انتشر الظلام وأضاءت النجوم السهل الممتد، وقد بدأ يغفو بعد نهار شاق.انتابتها قشعريرة إذ تذكرت حكايا السمّار من أهل قريتها عن ذلك الحيوان النتن..يقال بأنه يخاف الضوء ويتجنبه، لذلك تراه يترصد فريسته في ظلام الليل، ولا تكاد تخلو سهرات القرويين من حكايات الضبع مع القرويين .بادرت إلى إعداد عدد من لفافات التبغ.. وسارعت إلى إشعال واحدة وقد لاح من بعيد “زوال” يتحرك صوبها.. أمعنت النظر.. وتيقنت منه.. إنه هو! بدأ يحوم حولها، في انتظار أن ينطفئ الضوء المنبعث عنها، دأبت على إشعال لفافات التبغ الواحدة من عقب الأخرى!فيما أخذ ينبش الأرض بأطرافه.. يتمطى.. ويتمدد.. المرة تلو المرة.:كمن يحفر قبرا.. من منا سيقبع فيه ؟ تساءلت في سرها..يتوهج التبغ.. هو يقف لها بالمرصاد.. ينبش ويتمطى..ينتظر أن تطفئ نارها
لا محالة عن الموت حق.. لكن ليس بمخالب حيوان كريه.. فهذه ميتة لا تليق لشيخة .عشرات اللفافات احترقت.. والضبع يناور..تأهبت، راقبته بحذر إلى أن تمدد وتمطّى  جمعت ما كمن من طاقتها، وعاجلته بأن هالت عليه الطحنة .أغرق كيس الطحين جسد الضبع بالكامل .فوق كيس الطحين، جلست! وبكل جسارة وهدوء أعدت لفافة تبغ جديدة تساعد في إبقائها يقظة..أدركها الفجر، وصاح ديك معلنا بدء نهار جديد.استفاقت القرية..وبدت جموع صغيرة من الناس والدواب تتخذ طريقها في اتجاهات عدة..اقتربت منها واحدة من الجموع ، ردّت التحية..سألتهم المساعدة في رفع كيس الطحين، تقدم منها شابان ورفعا الطحنة على ظهر الدابة.ارتدّت العيون عن الجثة الملقاة في الحفرة تسأل…بازدراء أجابت: إنه كلب لا غير

جرس الإفطار

جرس الإفطار

في زمن قديم ربما قبل 100 عام وفي قرية تقع في شمال الأردن وفي ليلة من ليال شهر رمضان المبارك  ، اجتمع أهل قرية الرفيد في منزل أحد أبناء القرية..
كان الفصل شتاء ولم يمنع البرد القارص ولا الظلمة الحالكة في تلك الليلة الخوري ناصر دون الانضمام لأبناء قريته كما جرت العادة في الشهر المبارك. وزاد من حلكة الليل سماء مثقلة بغيوم أشاعت حرارة بين جموع أهل القرية مستبشرين بموسم طيب، فأضفت أجواء احتفالية بمقدم المطر مع الشهر الفضيل مما ضاعف من متعة السهر في القرية

تدثر أبو راجي بعباءة الصوف وانطلق إلى حيث يجتمع أبناء قريته (الرفيد) لا يعتبر المطر والبرد في عرف الفلاحين مصدر إزعاج.. إنه بشارة خير وتتشارك الرفيد “شمال اربد” مع سمخ وصفد وجبل الشيخ السماء والهواء مثلما كان الخوري ناصر وإمام المسجد يتشاركان في تقديم الخدمات لأبناء قريتهم

كان ذلك في البدايات من قرن مضى.. قبل وضع مخطط سايكس-بيكو قيد التنفيذ

اجتمع أهل القرية من الشيوخ والشباب تلك الليلة في واحدة من بيوت القرية، عادة..يتفق على المكان في نهاية السهرة أو قد يقوم أحد أبناء القرية بتوجيه الدعوة إلى بيته دارت القهوة.. وتداولت جموع الفلاحين في تلك الليلة أخبار الزرع والماشية.. واستمعت الى أنباء الحرب

لأيام مضت ..حجبت السماء الملبدة بالغيوم الشمس عن القرية وغاب القمروأقعد المرض شيخ القرية وإمام المسجد عن رفع الآذان حينها حار الصائمون في تحديد وقت الإفطار والسحور، في تلك الليلة..وبكل براءة الريف وعفويته تساءل شاب موجها الحديث للخوري ناصر : تعلم أن الإمام عافاه الله مريض، والسماء غائمة مما يجعلنا غير قادرين عن تبين غياب الشمس أو شروقها، فهل لك يا أبا راجي أن تقرع جرس الكنيسة في موعد الافطار ؟

راقت الفكرة الحضور من شيوخ القرية وشبابها.. وأبدى الجميع إعجابهم بفطنة الشاب

في اليوم التالي

عاد الخوري ناصر إمام القرية للاطمئنان على ابن قريته.. وأبلغه بما طلب منه، مستأذنا.. انشرحت أسارير الإمام للفكرة، وأثنى على الفكرة بتلقائية وبراءة أبناء القرية الواحدة ، في ذلك المساء.. دعا (أبو راجي) الصائمين من أهل قريته للإفطار بقرع جرس الكنيسة.. دأب على ذلك أياما، إلى أن سمعت القرية الإمام مكبرا لصلاة الفجر!

الرفيد: قرية في الشمال من الأردن
( عن رواية ابنة الخوري ناصر(أبو راجي) عفاف ناصر بشوتي وأكدتها رسائل من أهالي قرية الرفيد المقيمين في الأردن وخارج الأردن)
جرس كنيسة الرفيد موجود الآن في كنيسة اللاتين/مرج الحمام كما خبرني حفيد الخوري ناصر سفيان ناصر

لستب

لستب

عاشت لستب قبل ما يزيد عن مائة عام … ولدت ونشأت في قرية تربض على كتف جبل من جبال عجلون ،من السرو والصنوبر شموخه، ومن البلوط صلابته، ومن الزيتون والكرمة عمقها وتجذرها، امتلأت بعبق الدحنون والاقحوان والنرجس البري …لم تسمع برفاعة الطهطاوي ولا قاسم أمين… ولم تعاصر سيمون دي بوفوار أونوال السعداوي، ولا قرأت الماركسية .

 لستب  اسم أطلق فيما بعد على بقعة جميلة من البقاع القريبة لعجلون.. وبالرغم من أعجمية الإسم.. فقد بقي الشاهد لأبناء القرى الجبلية هناك.. يروى عنفوان وفطنة امرأة ريفية، كما عجلون والقرى المنتشرة حولها..أرض مكتظة بالأشجار لون التراب الضارب للحمرة يعلن عن خصوبتها..حجارتها وصخورها منحوتات متماوجة
و” لستب” كما يروى.. ضابط مملوكي متقاعد..أثناء عمله تعرف على معظم المناطق في جبل عجلون .. فاستهوته هذه البقعة وقرر الاستيطان بها.. ببناء قصر يكون بمثابة قلعة يطل منها على سفوح جبال تحتضن قرى صغيرة مثل حلاوة و ( فارة سابقا ) وخربة الوهادنة وغيرها، سيقرر الضابط المتقاعد..بحمايه نفر من الخفر.. أن يشيد قلعة بتسخير الفلاحين ليسودهم منها، بعد أن يشير بأصبعه إلى واحدة من القرى.. تقابل المكان الذي يقف عليه.. لم يكن لدى الفلاحين في قرية (فارة*) من خيار إلا الرضوخ للسيد المملوك
وهكذا أصبح على الرجال مغادرة القرية.. باتجاه الشرق تلفح وجوههم شمس الصباح..وستشويهم شمس ما بعد الظهيرة في طريق العودة منهكي القوى والروح.. حيث النساء مخذولات متعبات.. فالزوج والأب والأخ وقد كن يرافقنه للحقل والكرم والوادي كمشاركات.. مسخر لدى المملوكي.. وسيضطلعن بدوره وحدهن إضافة لأدوارهن الاخرى المتعددة داخل وخارج البيت ،إلى أن جاء يوم زفت صبية في القرية لشاب من الشباب المسخرين للعمل لدى لستب، في اليوم التالي للعرس استيقظت العروس..فإذ برجلها الذي زفت إليه يتأهب لمغادرة البيت الذي شهد له بالفحولة. نهضت مسرعة.. وقبل أن يجتاز عقبة البيت شعر بها تتبعه .إلى أين !! إلى العمل !! أي عمل !! لن تذهب وليفعل “لستب” ما يريد .انقضى أسبوع.. فجاء من ينقل له ولعائلته تهديد “لستب” إذ لم يلتحق بالعمل، أعلمته بنيتها الذهاب بدلا عنه لتعمل لدى ( لستب ) مع الفلاحين .. نطقت عيناها وملامح وجهها بالقول قبل أن ينطق لسانها .صمت لإدراكه التام بالجدية والصرامة التي أعلنت قرارها. وفي الباكر من ذاك الصباح هبطت المرأة الوادي صاعدة الجبل المقابل مع رجال قريتها.. كانوا يسترقون النظر علهم يلمحون ترددا أو تراجعا .. لكن سحنتها غدت في صلابة الصخر..سألها الضابط العثماني عن سبب تخلف زوجها.. فأجابته بأنها من سيقوم بالعمل..
هز رأسه موافقا “المهم ـن لا ينقص عدد العاملين” لأن عائلته وأصدقائه ينتظرون بفارغ الصبر الانتهاء من البناء.. ويعدون أنفسهم بقضاء ربيع ممتع .حزمت خصرها بزنار لتتمكن من رفع ثوبها قليلا .. وبدأت العمل .أثناء تفقد الضابط المملوكي.. انتبه لستب،إلى أنها تسارع إلى سحب ثوبها لتغطي ما بدا من ساقيها .أثار تصرفها استغرابه فجاءها يسأل : لماذا ترخين ثوبك عند حضوري فقط .. وأنت تعملين مع رجال ؟؟ردت بصوت تعمدت أن يسمعه الرجال : وهل هؤلاء رجال؟
إجابتها الجارحة أشعلت روح رجال استمرأت الذل لحين .في اليوم التالي.. شارك الصنوبر والسرو والبلوط.. بحماية الرجال.. نشرت امرأة تقطن بالجوار بساطا أحمر على سطح بيتها.. إشارة اتفق عليها للانقضاض على “لستب” وخفره حال تجمعهم.وكانت نهاية لابد منها.. لمن استعبد من ولدوا أحرارا

فارة قرية في عجلون تدعى اليوم الهاشمية
(عن رواية عبد العزيز القرشي من قرية أوصرة-عجلون)