قصص من عالم الحيوان

البطيخة أو الذيب: أمُغَفَّلٌ هو أم أريب؟

سأروي لكم حكاية عجوز غُندورة، رهيفة، رقيقة، مثل العود اليابس.بمناسبة عرس ابنتها، نبشت كل ما في بقجتها. فمَنْ الرَقْصَ الرشيق أراد، أَعَدَّ له العتاد! وضعت سبع تنانير: تنّورة فوقانية وأخرى تحتانية، ففوقانية وأخرى تحتانية، ففوقانية وأخرى تحتانية، … ففوقانية.وقفلت بابها وانطلقت لترى أحبابها.روحي، راحت، روحي، راحت، غُندورتنا راحت راحت.تمشي بأمان، واطمئنان … حتى نـَبَق أمامها، على الطريق، ذيب أنيق
– دلّوعتي المليحة، سآكلك بلا ملح!- ألست بأريب أيها الذيب! تأكلني وأنا هزيلة مثلُ العود اليَبْسان. لئن أكلتني فستظل جَوْعان. فكن عاقلاً وابنَ حلال. عليّ أن أحتفل بعرس ابنتي الوحيدة، فلا تفسد هذه المناسبة السعيدة. أعدك بأن أظلَّ ثلاثة أيام بلياليها آكل، وأشرب، وأسرح، وأمرح، فأعودَ إليك مورَّدة مُدَعْبَلة، أحلى من القرنفلة، وألذ من السفرجلة. ولك عندها أن تلتهمني هنيئاً مريئاً!- لست ببليدة، ففكرتك سديدة. روحي وعودي إليَّ عودة حميدة

فما كادت العجوز الغنْدورة تصدِّق أذنَيْها، وراحت تحثُّ السيرَ برجلَيْها.فمشت متوخيةً اليقظةَ والحِرْص …وعندما وصلت إلى مكان العُرْس، رأت الدار هائسة مائسة
فما لبثت أن أطلقت العنان للفرح، والمرح. راحت تَفْقِص، ترقُص، تدبك، تَحْرُك، آكلةً شاربةً، مائلةً لاعبة … ولـمّا انتهى العيد والتغريد، وجدَّ الجـِدُّ من جديد، قالت لابنتها:- الذيب ينتظرني على طريق العودة ليأكلني.فأجابت البنت:لا عليك. عندي مخبأ لك.وذهبت إلى بستانها، فقطفت جبسة ضخمة مُدَعْبَلة وشطرتها شطرينفولجت العجوز الغُنْدورة في نصف الجبسة المشطورة، وطبَّقت عليه نصفَها الآخر، فعادت كما كانت.وبفعل وزن العجوز السمينة، أخذت الجبسة اللعينة، على الفور ، بالكَرّ والفَرّ ، والفَتْل والبَرْم.كُرّي، لُفِّي يا بطيخة، دوري إلى غاية المشوار كَرَّت البطيخة، لَفَّت، دارت حتى صارت قُدّام الذيب المهذار!بدا على الذيب غضب رهيب. فقال:
– يا بطيخة! ألم تَرَي في طريقك عجوزاً مورَّدة مدعبلة؟- لا يا ذؤيبي لم أر لا عجوزاً ولا فتاة، ولا غنماً ولا رعاة. وأنا مستعجلة، فهيّا كُلْني، أو دَعْني وشأني!- لستُ من الماعز ولا من الخِرفان، فكيف لي، أنا الذيب الجَوْعان، أن آكل البزر والماء الحَلْيان؟إليك عني! سيري يا بطيخة دوري!وهنا ركل الذيب الجبسة فعادت إلى الحركة. لُفِّي يا بطيخة، دوري، حتى غاية الـمُعْتَََرَك،لَفَّت البطيخة، دارت، ووقع الذيب في الشَرَك!وعادت العجوز الغُنْدورة إلى دارها مسرورة، وبـِزْرُ الجبس عليها، من شعرها إلى أخمص قدميها
أما في شأن الذيب المهذار فقد انقطعت الأخبار
فول وفصة، انتهت القصة

الصوص والقط

هذي حكايةُ أحَدِ الصيصان، وأمِّه المتميِّزة بين الدجاجات، بأنَّها زائدةُ الحُبِّ والحنان، كأغلب الأمهات. ذات يوم كانت الأم الرؤوم تحضِّر كعكة. كعكة بالشُكُلاطة.
أما الصوص فكان يقوم ولا يََبْرُك، ويَقْرِق ويَحْرُك. يستطلع الأُفْق، بغية اللهْوِ في الهواء الطَلْق.فقالت الأم: ليكن. لكن ابقَ في الحديقة. وإياك أن تبعد إياك. وإلا فإن القط سيأكلك متى رآك.- إي، نعم، رد الصوص، وقد جاوز عتبة البيت وراح ينُط ويشُط، ويتعلَّق ويتعمشق، وظل يتشقلب، حتى برز له القط بشاربه المقبَّب:- تعال إليَّ! سآكلك!،فقال الصوص- تريَّث. أمي تصنع كعكة بالشُكُلاطة. فإنْ أنت عن أكلي عَدَلْت، كان نصف الكعكة لك، لك وحدك!فأجاب القط:- اتَّفقنا. سأنتظرك يا أجسر الصيصان. لن أبرح هذا المكان.فهُرِع الصوص كلَّ الهروع، وراح جارياً كالمصروع، فولج في البيت صافقاً بابه:- أمّااااه …. أمّااااه! شيخُ القِطاط! لقد وعدته بنصف الكعكة بالشُكُلاطة- جئت في الأوان يا بنيّ، بالعافية، فها هي قد نضِجت بدرجة كافية.ووضعت الأم الكعكة على طبق، وشطرتها شطرين:- نصفها هذا لك؛ ونصفها ذاك للقط. فكل حصتك ولا تمسَّن حصة القط!- إي، نعم؛ قالها الصوص وقد راح يلتهم.ها هو يتلَّمظ الكعكة و لـمّا تزل ساخنة، تفوح منها رائحة القِرفة الفاتنة. وظل يقضمها، قضمة قضمتين، وهكذا دواليك. ويتلَّمظ، مغمضاً عينيه. ما ألذها! … ويلحس أصابعه. هَممم إنها لذيذة … لذة جعلته يأتي عليها سريعاً فلا يبقي منها لا لُواسة ولا لُحاسة! ياه. أمّااااه. لقد أكلتُ الكل … حتى حِصّةَ الهر!عندها بالضبط، جاء القط، يطرُق الباب: طاط! طاط! طاط!:- أين حصتي من الكعكة بالشُكُلاطة!

ياه ياه! القط هو ذا

راحت الأم الرؤوم، بناظريها تحوم، بحثاً عن مخبأ، فرأت الجرة في إحدى زوايا البيت:- تعال سريعاً يا بُنَيّ!وقفزا إلى داخل الجرة. أُف
فدفع الهرُّ الباب:- أعرف أنكما هنا! أين الكعكة؟ أريد حصتي منها! الويل لكما إن لم أجدها! فيصمت الصوص وأمه الرؤوم الماكثان في قعر الجرة، ولا يأتيان بحركة
وهنا اعترت أنفَ الصوص حكة، فهمس في أذن أمه المرتبكة: أمّاه، يأخذني العُطاس! أتشـ…- صَهْ! ألا تسمع الهر!

رأى القط الجرة، فدنا منها،  أرجوك أماه، عطسة واحدة! أتشتشـ…- صَهْ! صَهْ!! كاد القط يصل إلى الجرة.- حنانَيك أماه، عطسة واحدة فقط! أتشتشتشـ…- صَهٍ! مَهٍ!!وضع القط على الجرة قائمته.- أماه، أتشتشتشتشـ…- آهٍ منك أه. اعْطُسها!أتشتشتشتشوووووووووووومممممممم!!!!أباااااااااااااابوووووووووووومممممممم!!!!
انكسرت الجرة ألفَ شَقفةٍ وشَقفة

فانتاب القطَّ الفزع، فصرخ بهلع: يا سَتَّار، البيت ينهار!وخرج هارباً بأقصى ما أوتي من سرعة.وراح الصوص الجسور وأمه الصبور يرقُبانه يتلاشى مبتعداً، فيُغرقان في الضحك:
غلبناه، هاه؟
ياه، غلبناه

ثم شربا الشاي بالعسل تحلِّياً
أَتَعْلَمون ما راق لهما عندها أن يأكلاه تشفِّياً؟
أصابعَ بَسْكوتٍ كألسنة القِطاط، مشرَّبة بالشُكُلاطة

 

القملة والبُرغوث

في دار الجيران اللصيقة
كان البرغوث والقملة يتناولان الترويقة
وفجأةً ولجت الريح عبر النافذة
ورفعت البُرغوث رفعةً عالية
فسقط بعجيزته على المِطبخة الحامية
وقع البُرغوث على اللوح الحار
فلفحت عجيزَته النار
فجُنَّ جنون القملة السمراء وأجهشت بالبكاء
!بَقْبَقباق
!بَقٌبَقباق
“ما بالك تنوحين هذا النواح
“مع طلوع الصباح؟
:سألتها النافذة
“ألَمْ تَصِلْكِ الأخبار؟”
وقع البُرغوث على اللوح الحار
فلفحت عجيزَته النار
:ولذا أبكي
!بَقْبَقباق
!بَقٌبَقباق
في هذه الحال
دعيني أَصْفِق”
!طَقْطَقْطاق
“!طَقْطَقْطاق
“ما بالك تَصْفِقين هذا الصَفْق”
والشمس ما زالت في أقصى الشرق؟
سألها الباب؟
هل فقدتِ الصواب؟”
“ألَمْ تَصِلْكَ الأخبار؟
وقع البُرغوث على اللوح الحار
فلفحت عجيزَته النار
:فالقملة تبكي
!بَقْبَقباق
!بَقٌبَقباق
:وأنا أَصْفِق
!طَقْطَقْطاق
“!طَقْطَقْطاق
في هذه الحال
:دعيني أَصِرّ
!صَرْصَرْصار
“!صَرْصَرْصار
ما بالكَ تَصِرُّ هذا الصرير
وكأنك وقعتَ من السرير؟
سألته المِنْقَلة؟
صريرك الطنّان
!يصيبني بوجع الأسنان
ألَمْ تَصِلْكِ الأخبار؟
وقع البُرغوث على اللوح الحار
فلفحت عجيزَته النار
:فالقملة تبكي
!بَقْبَقباق
!بَقٌبَقباق
:والنافدة تَصْفِق
!طَقْطَقْطاق
!طَقْطَقْطاق
:وأنا أّصِرّ
!صَرْصَرْصار
!صَرْصَرْصار
في هذه الحال
:دعني أَدْرُج
!وَرْوَرْوار
!وَرْوَرْوار
ما بالكِ تَدْرُجين بقدِّك الميّاس
وأنا ما زِلْت يأخذني النعاس؟
سألتها الشجرة؟
دَرَجانُك النَّوّاس
يصيبني بوجع الراس
ألَمْ تَصِلْكِ الأخبار؟
وقع البُرغوث على اللوح الحار
فلفحت عجيزَته النار
:فالقملة تبكي
!بَقْبَقباق
!بَقٌبَقباق
:والنافدة تَصْفِق
!طَقْطَقْطاق
!طَقْطَقْطاق
:والباب يَصِرّ
!صَرْصَرْصار
!صَرْصَرْصار
:وأنا أَدْرُج
!وَرْوَرْوار
!وَرْوَرْوار
:في هذه الحال
:سأنضو كلَّ أوراقي
!فَحْفَحْفاح
!فَحْفَحْفاح
ما بالكِ عاريةً دونما سِتْر
مع بزوغ الفجر؟
سألتها الريح؟
ألَمْ تَصِلْكِ الأخبار؟
وقع البُرغوث على اللوح الحار
فلفحت عجيزَته النار
:فالقملة تبكي
!بَقْبَقباق
!بَقٌبَقباق
:والنافدة تَصْفِق
!طَقْطَقْطاق
!طَقْطَقْطاق
:والباب يَصِرّ
!صَرْصَرْصار
!صَرْصَرْصار
:والمِنْقَلة تَدْرُج
!وَرْوَرْوار
!وَرْوَرْوار
:وأنا أتعرّى
!فَحْفَحْفاح
!فَحْفَحْفاح
وَيْلاهُ يا وَيْلي
هيّا إلى الفعلِ
ولجت الريح إلى الـمَطبخ
ورفعت البُرغوث وأوقعته
في طَشْتِ ماءِ المغسلة الدَسِم
فبردت عجيزته في الطشت
فسَكَنَ لائذاً بالصمت
فكفَت القملة عن البكاء
وكفت النافذة عن الصَفْق
وكف الباب عن الصرير
وكفت المِنْقَلة عن الدَرَجان
وتجلبب بالورق الغضِّ قَدُّ الشجرة الـمَيْسان
فإنَ ختام الحكاية آن

 

الصبي الصُغَيِّر والذبابة


كان هناك مرةً، لا مرتين ولا ثلاث
صبي صغير صُغَيِّر
كان يسكن
في بيت صغير صغَيِّر
وكلَّ صباح كان الصبي الصغير الصُغَيِّر
يكنس بيته الصغير الصُغَيِّر
فيعثر كلَّ صباح على قرش صغير صُغَيِّر
وكلَّ صباح كان يضع في جيبه القرش الصغير الصُغَيِّر
ويأتي بصحن صغير، صُغَيِّر
فيمضي به إلى دكّان السمّان
فيشتري من العسل قطرة، لا قطرتين ولا ثلاث
وكانت قطرة العسل تملأ الصُحَيْن الصغير، الصُغَيِّر
فيعود به إلى البيت ناهماً ناعماً
وذات يوم إذ كان الصبي الصغير الصُغَيِّر عائداً من الدكّان
والصُحَيْن بقطرة العسل ملآن
!سمع ذبابة تئزّ
ثم رآها تفِزّ
وتَحُطُّ على طرف الصُحَيْن
فتشفُط العسل في طرفة عَيْن
:فاحتكم الصبي الصغير الصُغَيِّر إلى القاضي
“يا حضرة القاضي”
إني صبي صغير صُغَيِّر
أسكن
في بيت صغير صُغَيِّر
وكلَّ صباح آخذ مِقَشّي الصغيرَ الصُغَيِّر
فأكنس بيتي الصغيرَ الصُغَيِّر
فأعثر كلَّ صباح على قرش صغير صُغَيِّر
وكلَّ صباح أُخَبِّئُ قرشي الصغير الصُغَيِّر
وآتي بصحن صغير، صُغَيِّر
فأمضي به إلى دكّان السمّان
فأشتري قطرة من العسل
فتملأ قطرتي الصُحَيْنَ الصغير، الصُغَيِّر
فأعود به إلى البيت ناهماً ناعماً
واليوم إذ كنت عائداً من الدكّان
والصُحَيْن بقطرة العسل ملآن
!سمعت ذبابة تئزّ
ثم رأيتها تفِزّ
وتَحُطُّ على طرف الصُحَيْن
فتشفُط العسل في طرفة عَيْن
:هنا تأوّه الصبي الصغير، الصُغَيِّر، وأضاف

فقال القاضي: “بيدك سترفع الإجحاف
اسْتَلَّ نعلك سَلّةً رزينة
“!فإن شُفْتَ الذبابة فاضربها ضربة مكينة
وما كاد القاضي ينطق بالحكم
حتى دخلت الذبابة الأزّازة عبر النافذة
وحطت على أنفه الضخم
فما لبث الصبي الصغير الصُغَيِّر، المطواع
أنْ أَخَذ نعله أخذةً متينة
فانقض على الذبابة بضربة مكينة
بام ! لكنها نجت، فهي في الطيران طويلة الباع
فطالت الضربة أنف القاضي
فعانى وظل يعاني
إذ تورَّم أنفه وانفتق
بل يُحكى أنه انفلق