ملتقى حكايا الخامس 2012:

تنتهي حدوتة لتبدأ أخرى

“كان يا ما كان، نحكي ولّا ننام؟!” نحكي ولا ننام، نحكي لنستمر، نحكي كي نحتمل، ونحكي لنقاوم.

ما الذي حدث بين عام 2005، وحتى 2012 بما يتعلق بانتشار برنامج حكايا/ العربي المتوسطي، الذي يحتفي منذ انطلاقته بفن الحكي “في المسرح والفنون وتشجيع القراءة والكتابة وتشكيل الهوية والحوار بين الثقافات”، من حيث “الإيمان بمركزية القصة في النمو الصحي للأفراد والمجتمعات”؟ جاءت فعاليات ملتقى حكايا الخامس 11-17 أيلول 2012، في عمان والمحافظات، والذي نظمه الملتقى التربوي العربي، بالتعاون مع مسرح البلد، وأمانة عمان الكبرى، والاتحاد الأوروبي، وشاركت في احتضان فعاليته مؤسسات ثقافية متعددة، في عمان، وجرش، والأغوار، ومأدبا؛ لتجيب بشكل عملي على التساؤل، حيث أثبتت الفعاليات المتعددة، والمتجدِّدة، والتي قدَّمت تجارب فنية متنوعة، من مصر، وتونس، والمغرب، وفلسطين، والأردن، وفرنسا، وإيرلندا، والهند، وإيران، على ازدياد الإيمان بإمكانية استخدام الحكاية، بشكل مركزي، في الحياة، وفي الفن، ليس بشكل موسمي، بل بشكل مستمر، استمرار الحياة ذاتها. اشتمل الملتقى على لقاءات حكايا، وعروض أبحاث حول الحكي، وتقييم برنامج حكايا، بالإضافة إلى فعاليات المهرجان، الذي نظَّم عروضاً عربية وعالمية، منها ما اقتصر على الحكاية فحسب، ومنها ما استخدم فن الحكي، ليقدِّم عرضاً مسرحياً، أو فيلماً سينمائياً. كما تخلل الملتقى، تنظيم ورشات تدريبية، على فن الحكي، ولقاءات مع حكواتي أو حكواتية، من المشاركين في المهرجان، للتعلم من التجربة، ومعرفة كيف يمكن أن ينمي الإنسان قدراته ليصبح حكواتياً، وكيف يمكن للمشاركين والمشاركات، استخراج الحكواتي، في داخلهم/ن.

تدعو الكاتبة والممثلة المسرحية والحكواتية المصرية “نورا أمين”، إلى تعميم فكرتها البسيطة والعميقة، على مجتمعات عربية أخرى، من أجل تعميم ثقافة الحكي كنشاط إنساني، يدعم فكرة المشاركة، التي تستنهض أجمل ما في الإنسان، حيث يتبادل تجربته الفردية، كجزء من التجربة الجماعية. وتتلخَّص تجربتها بالانفتاح على حكايات الناس العاديين، من خلال مشروع: “حكاياتنا”، بالتعاون مع مشروع “حكايا”، و”مؤسسة اسكندريللا للثقافة والفنون”، الذي تقيمه في كوم دكَّه في الإسكندرية، “حيث يجتمع مجموعة من الأشخاص بشكل دوري، لتبادل حكاياتهم، أو قصصهم الشخصية، ويجتمعون في قهوة فرج التاريخية، التي كان يجلس عليها “سيد درويش” ليتشاركوا حكاياتهم الشخصية”.

 أطلق “نادي الحكاية في صفاقس”/ تونس، شعاراً جميلاً وبليغاً، جسَّد من خلاله، فلسفته ورؤيته لدور الحكاية التربوي والثقافي: “إن الطفل كي ينمو نمواً طبيعياً جيداً لا بد له من الحاءات الثلاثة: الحليب والحب والحكاية”. ويحث النادي، الذي تأسس عام 2009، على العودة إلى الحكاية، لنقل تجارب الأجداد للأحفاد، وإلى استعادة مركزية الحكاية، في التعليم وفي الأسرة، في ظل سطوة وسائل الاتصال الحديثة، التي تتيح الاتصال الأسرع والأكثر إبهاراً؛ لكنها تقطع وسائل الاتصال الحميمة بين البشر. عمل نادي الحكاية منذ تأسيسه، على تكوين جيل جديد من الحكائين/ والحكاءات، فنظَّم الدورات التدريبية، مستعيناً بالخبرات المحلية والعربية والعالمية، في فن الحكاية، كي يتوفر لديه المزيد من الحكائين الذين  يستطيعون تقديم عروضاً أكثر، وبحرفية أعلى. كما نظَّم النادي مسابقة للحكاية عام 2011. وفي اختبار عملي لسطوة الحكاية وقوة تأثيرها؛ استجاب 139 مشاركاً/ة، إلى المسابقة، بقي منهم 64 مشاركاً/ة، قدموا حكاياتهم أمام لجنة التحكيم. ومن بين هذا العدد؛ بقي 12 من الحكائين، الذين بلغوا المرحلة النهائية؛ نظمت لهم حفلة لسماع حكاياتهم، كما انضموا إلى نادي الحكاية بعد ذلك؛ ليرفدوه بمواهب شابة، وبحكايات جديدة، وليساهموا في انتشار وتعميم الحكاية، واستعادة دورها في قلب الحياة وفي المجتمع. ومن أجل أوسع انتشار للحكاية؛ أنتج النادي برنامجاً إذاعياً حوارياً، للحث على استعادة قصة ما قبل النوم للأطفال، من خلال استضافة مختصين في علم النفس، والاجتماع، والتربية، والمكتبات، وبعض الآباء، الذين يشاركون المستمعين تجاربهم، وذكرياتهم الجميلة مع الحكاية، ويحرصون على تنمية الحصيلة اللغوية والمعرفية عند أطفالهم، وتدريبهم على فن الإنصات، الذي ينتج تواصلاً أعلى بين البشر.

من بين العروض الجميلة المتنوّعة، التي قدمت، ضمن مهرجان “حكايا”؛ تميَّز العرض المصري: “مدّ وجزر”، الذي قدَّمته “فرقة الطمي”، المسرحية، حيث روى الممثلون/ات حكاياهم الشخصية، من خلال تجاربهم، على مدار تسع سنوات، منذ تأسيس الفرقة، بالاتكاء على الموسيقى التي عزفها أعضاء الفرقة، كل على آلته الموسيقية، وعلى الغناء، في قالب مسرحي، أظهر مستوى فنياً عالياً، وبراعة، وقدرة على شدّ المشاهدين/ة، وإثارة الحوار حول عدد من القضايا، التي برزت من خلال الحكايات، بشكل انسيابي ممتع. أثار العرض قضية جدوى الحياة إذا ما اقتصرت على تلبية المطامح المادية للإنسان! وطرح تساؤلاً مشروعاً: هل تأخذ الحياة الإنسان أم يأخذها؟ وإذا كان يطمح إلى أن يعيش حياة كريمة، في بلد تقدره كإنسان، فهل يسمح بابتلاعه داخلها؟! جرت المقارنة، من خلال الحكايات الشخصية، بين دبي التي تبتلع المواهب، رغم سهولة العيش فيها، والقاهرة التي تحتضن المواهب، رغم صعوبة العيش فيها، لتترك لمشاهدي العرض، فرصة المشاركة في الحوار، من خلال التجربة الشخصية لكل منهم/ن. كما طرحت مسألة يتناساها الإنسان أحياناً، ضمن مشاغله العديدة، ومتطلبات العيش الكثيرة والصعبة والمرهقة: هل نعمل ما نحبّ؟ أم ما هو مفروض علينا؟ أو مطلوب منا؟ وتبيَّن خيط يربط بين الحكايات، وهو تطلع إلى العيش في مجتمع مدني، خال من التعصب الديني، والفكري، وينبض بالحب ويطبِّق العدالة الاجتماعية، التي توفر للإنسان عيشة كريمة في وطنه. أسئلة مفتوحة، تستفز العقول، لتترك للمشاهدين فرصة المشاركة في الحوار، من خلال التجربة الشخصية لكل منهم/ن.

“”توتة توتة، خلصت الحدوتة” تغفو عين وتصحو أخرى، تنتهي حدوتة لتبدأ أخرى. تاريخ نشر المقال 30 أيلول 2012